أصول البيع في القرآن والسنة
البيع هو العمود الفقري للمعاملات المالية وأكثر العقود شيوعا فيها ، واحترافه هو عصب التجارة قديما وحديثا ، ولا يكاد يمر يوم الا ويعقد كل منا فيه أكثر من عقد بيع أو شراء لمأكله أو مشربه أو غير ذلك من حاجاته. والبيع من وسائل تبادل الأموال، بل هو أكمل هذه الوسائل لأنه يسمح بالاستئثار بالمبيع أو بالثمن على نحو يمكن الشخص ليس فقط من الانتفاع به أو استغلاله وانما يسمح له كذلك بأن يتصرف فيه الى غيره ببيع آخر أو بهبة أو بغير ذلك. والبيع من أهم وسائل الكسب المشروع وله فوائد اقتصادية واجتماعية أخرى.
البيع في القرآن الكريم
استعمل لفظ البيع في القرآن الكريم بمعنى المبادلة ، ومنه قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة / 275. كما استعمل لفظ البيع في القرآن الكريم بمعنى العهد ، ومنه قوله تعالى : ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) التوبة / 111.
وعبر القرآن الكريم عن شدة الرغبة في البيع بلفظ شري ، ومنه قوله تعالى : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف / 20. كما عبر القرآن الكريم عن الرغبة في الحصول على المبيع بلفظ اشترى ، ومنه قوله تعالى : ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ) يوسف / 21.
ويغلب في اللغة العربية تسمية هذا العقد بالبيع على تسميته بالشراء ، على أن لفظ البيع في اللغة العربية من الأضداد أى من الألفاظ التي تطلق على الشيء وعلى ضده ، فيقال باع الشيء يبيعه وباعه أيضا اشتراه. ( مختار الصحاح ط 1950 ص 85 ) ويسمى الألمان هذا العقد شراء، بينما يسميه الفرنسيون بيعا. وتسمية this العقد بالبيع أفضل من تسميته بالشراء ، لأن البائع هو باذل السلعة ، وهى المعقود عليه الأساسي في العقد ، أما المشتري فهو دافع الثمن ، والثمن عوض عن المبيع. ثم ان واجبات البائع أكثر من واجبات المشتري ، فالبائع عليه تسليم المبيع وضمان استحقاقه وعيوبه بينما المشتري عليه دفع الثمن. ومن المحتمل أن يكون اسم البيع في اللغة العربية قد اشتق من الحركة التي تصاحب مبادلة الأشياء بالأشياء في البدايه حيث كان كل من المتعاقدين يمد " باعه " اى ذراعه للآخر لأخذ ما في يده وتسليمه الثمن ، أو لمصافحته بعد تمام الاتفاق ، ولذلك سمي البيع صفقة وهى الصوت الناتج من المصافحة.( المغني لابن قدامه 501/3 ).
ومجمل أحكام القرآن الكريم في الآيات التي ورد فيها البيع بمعنى المبادلة يتلخص في الآتي :
- ان البيع نظام دنيوي : قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ) البقرة / 254 ذلك أن يوم القيامة يوم الحساب. وبعد الحساب اما النار وفيها عذاب لا بيع فيه ، واما الجنة وفيها ما تشتهيه الأنفس، فلا حاجة فيها الى البيع. ولا نعرف أحدا يعلم متى ظهر البيع في حياة الانسان. لكن من الميسور أن يكون الانسان قد أحس منذ العصور الأولى بحاجته الى ما في يد أخيه من أشياء ليست عنده ، ولم يستطع الحصول على هذه الأشياء حتى أعطى لصاحبها شيئا آخر في مقابلها ، وهكذا نشأت صورة مبادلة الأشياء بالأشياء بين بني آدم. ويبدو أن المقايضة كانت أولى صور البيع ظهورا. وهى مبادلة شيء حاضر بشيء آخر حاضر كذلك ، والمقايضة تكفى للوفاء بحاجات مجتمع بدائي قليل العدد، وبها يتبادل الانسان ما عنده من سلع لا يحتاج اليها بما قد يحتاجه من سلع تكون عند غيره. ثم ظهر تبادل بعض السلع بأشياء مثلية كمبادلة بقرة بكمية من التفاح أو الموز. ثم لما ظهرت النقود تم تبادل بعض السلع بها .. واحتلت مبادلة الأشياء بالنقود المكانة الأولى بين صور المبادلة وأصبحت هي الصورة الغالبة للبيع، واتجه بعض المفكرين وبعض التشريعات الى قصر معنى البيع عليها. ثم لما تنوعت النقود ظهر تبادل النقد بالنقد وسمى " بالصرف " ثم لما كثرت الحاجات وتنوعت احتاج بعض الأشخاص الى رأس مال وعجزوا عن الحصول عليه عن طريق القرض فأخذوه عن طريق البيع الأجل ، فكان الشخص يحصل على ثمن المبيع في الحال ثم يحصل به على المبيع ويسلمه بعد أجل وظهر بهذا عقد السلم. ولا يزال الانسان يميز بين أنواع مختلفة من البيع.
- أن البيع يتم بالتراضي ، فالبيع هو عمود التجارة ، والتجارة لا تتم الا عن تراض ، وقد صرح القرآن الكريم بهذا منذ نزوله ، فقال تعالى فيه : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) النساء / 29.
- أنه يستحسن الاشهاد في البيع. قال عز وجل : ( وأشهدوا اذا تبايعتم ) البقرة / 282 والأمر بالاشهاد هنا للندب والارشاد لا للوجوب ، لأن البيع عقد يتم بالتراضي ، والاشهاد ليس الا وسيلة لتسهيل اثباته.
- أن البيع حلال في الأصل : قال تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة / 275 فالبيع حلال لأنه مبادلة مال بمال. بخلاف الربا فهو حرام لأنه مبادلة مال بأجل ، والأجل من الزمان ، والزمان كالهواء ليس بمال فكان الربا مبادلة مال بما ليس بمال فهو زيادة خالية عن العوض بخلاف البيع فالثمن فيه مال والمبيع مال ، والثمن عوض المبيع.
- أن البيع محرم أو مكروه استثناء : قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ) الجمعة / 9. هكذا ينهانا الله عز وجل عن البيع وقت صلاة الجمعة. والنهي عن البيع هنا يقتضي التحريم عند بعض الفقهاء أو يقتضي الكراهة عند البعض الآخر ، الأمر الذي يؤخذ منه أن البيع وان كان حلالا في الأصل، الا أنه استثناء قد يكون محرما وقد يكون مكروها.
البيع في السنة الشريفة
أتم الرسول صلى الله عليه وسلم بسنته الشريفة شريعة الله ، فحدد المسألتين اللتين يظهر فيهما حكم الله وهما البيوع المشروعة وغير المشروعة ، والبيوع غير اللازمة. وترك ما عدا ذلك من أحكام البيع للفقهاء لأنه أمر يرجع فيه بعد ذلك الى عقول البشر وتكاد أحكامه تتشابه في معظم بلاد العالم.
فبالنسبة للبيوع المشروعة وغير المشروعة في الاسلام ، نجد السنة بينت الآتي :
أكدت السنة الشريفة أن البيع عقد يجب أن يتم بتراضي المتعاقدين فقد قال صلي الله عليه وسلم : ( انما البيع عن تراض ) " سنن ابن ماجة 736/2 ".
واذا كنا قد رأينا أن القرآن الكريم قد نص على أن البيع حلال في الأصل ، محرم أو مكروه استثناء، فقد حددت السنة الشريفة هذا الاستثناء فبينت البيوع المحرمة والبيوع المكروهة. فمن البيوع المحرمة : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة : ( ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) ( سنن ابن ماجة 732/2 ).
ومنها بيع الغرر كبيع شيء غير موجود أو على خطر الوجود وعدمه أي قد يوجد وقد لا يوجد ، من ذلك ما ورد : " عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع ، وعما في ضروعها الا بكيل ، وعن شراء العبد وهو آبق " أي هارب " ، وعن شراء المغانم حتى تقسم ، وعن شراء الصدقات حتى تقبض ، وعن ضربة الغائص " " في المياه فقد يصطاد وقد لا يصاد " " سنن ابن ماجة 740/2 ". وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع ) صحيح مسلم 10 / 177. وعن ابن عمر كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ) فتح الباري بشرح البخاري 252/5. وعن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وبيع الحصاة ( الترمذي 237/5 ) ومن بيع الحصاة أن يلقى شخص حصاة على عدة سلع ، فاذا استقرت على سلعة أخذها ، وهو نوع من القمار نهى الشرع عنه.
ومن البيوع المحرمة البيوع التي يدخلها الغش والخداع والتدليس ، ومنها ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا ، فقال يا صاحب الطعام ما هذا ؟ قال : أصابته السماء يا رسول الله ، قال أفلا جعلته فوق الطعام حتي يراه الناس ، ثم قال : من غش فليس منا - ( صحيح الترمذي 55/6 ) ومنها ما روي عن جابر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) صحيح مسلم 165/10. فاذا قدم غريب من البادية أو الريف بسلعة ليبيعها بسعر يومها فلا يحل لحاضر أو مقيم أن يطلب منه أن يترك السلعة عنده ليبيعها بالتدريج ليرفع سعرها نتيجة قلة عرضها والتحكم في سوقها، لما في ذلك من الخداع للناس وقد يؤدي الى الاحتكار ، كذلك روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن النجش) (صحيح مسلم 161/10 وسنن ابن ماجة 724/2 ) والنجش هو أن يزيد شخص ثمن سلعة ، لا لرغبة في شرائها ولكن ليخدع غيره ويحفزه على شرائها بثمن مرتفع كما يحدث في الغش في المزاد وغيره.
ومن البيوع المكروهة ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبيع بعضكم على بيع بعض " فتح الباري بشرح البخاري ( 356/5 ) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يسم المسلم على سوم أخيه " ( صحيح مسلم 159/10 ).
ومن البيوع غير اللازمة أي التي يمكن الرجوع فيها ، والتي بينتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع مع خيار الشرط: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " أن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له اذا بايعت فقل لا خلابة " فتح الباري بشرح البخاري ( 240/5 ) أي لا تثريب علي اذا رجعت في البيع خلال فترة معينة يتفقان عليها. كذلك لكل من المتبايعين الرجوع في البيع ما لم يفترق أحدهما عن الآخر ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر " ( صحيح البخاري 17/3 ) ومن البيوع غير اللازمة كذلك البيع مع خيار تفريق الصفقة، أو مع خيار التدليس ، أو مع خيار الرؤية أو خيار الخلف في الوصف .. الخ.
هذه فكرة عن أصول البيع في القرآن والسنة ، وهى أصول اعتنى الفقهاء المسلمون بدراسة قواعدها وشرح تفاصيلها واستقصاء تطبيقاتها وأثمر ذلك كله ثروة فقهية جعلت قواعد عقد البيع تتضمن أغلب القواعد العامة للعقود وتستخلص منها نظرية عامة للعقد تفوق أحدث النظريات الفقهية في الشرائع الأخري والقوانين الوضعية.